The Leaves Review emblem and script logo

ذا ليفز ريفيو

ذا ليفز ريفيو

الأدب والثقافة والعالم الحي

المدينة الحية

الشجرة التي شطرت الطريق

عن القوة الهادئة للبقاء متجذّرًا في عالمٍ يتغيّر

أحمد صفاء

٥ دقائق قراءة

المدينة الحية · مذكّرة ميدانية

الطبيعة الحضرية والتصميم المدني: عن الأشجار التي تشكّل شوارعنا وعمارة التعايش

رُصدت في نزهةٍ صباحية · مقالة وتصوير أحمد صفاء

ممرٌّ في حديقة انقسم ليحفظ شجرةً معمّرة على امتداده. تصوير أحمد صفاء.

▶

استمع إلى هذه المقالة

بصوت أحمد صفاء · قراءة كاملة بصوت الكاتب · قيد الإعداد

كنت أقوم بنزهتي اليومية لأبلغ خطواتي العشرة آلاف. يمرّ جزءٌ من طريقي عبر الحديقة القريبة، وطالما رأيت أن مشهد الأشجار والخضرة غذاءٌ طيّبٌ للعين.

وأؤمن كذلك بأن في رؤية الفصول تتبدّل بعينيك شيئًا مهمًّا. اليوم لاحظت أن الصيف يوشك على الانقضاء. فقد بدأت الأوراق المتساقطة تظهر فوق عشبٍ جفّ واصفرّ من حرّ الصيف.

ثمة ما يبعث على السكينة في رؤية هذا يحدث كل عام. إنه يذكّر ذلك الجزء اللاواعي منّا، الذي ربما لا يُصغي إلى الكلمات ولا يصدّق تطميناتنا، لكنه يصدّق ما يراه الجسد.

في مكانٍ عميق من برمجتنا الوراثية، لا بدّ أن ثمة طمأنينةً في مشاهدة الفصول تتبدّل. فأيًّا كان ما نمرّ به، تظلّ الحياة تفعل ما فعلته دائمًا. يصير الصيف خريفًا. تتساقط الأوراق. ينتهي شيء، ويبدأ شيءٌ آخر.

وبينما واصلت المشي، لاحظت شيئًا بدا لي كأنني أراه للمرة الأولى. الطريق ينشطر حول شجرة.

وجدت ذلك شاعريًّا على نحوٍ غريب.

لا بدّ أن مهندسين كُلّفوا في وقتٍ ما بإنشاء هذه الممرّات. واحدٌ للدراجات وآخر للمشاة، لكلٍّ منهما أبعاده وأنظمته المطلوبة. ومع ذلك، حين بلغوا هذه الشجرة العتيقة الجميلة، شطروا الممرّين حولها بدل أن يقتلعوها، وتركوهما يلتقيان مجددًا على الجانب الآخر.

فتنتني هذه المبارزة الصغيرة على القوة. الشجرة صامتةٌ ساكنة، يحيط بها إحساسٌ بالحكمة يكاد يكون مهيبًا. إنها جليلةٌ جميلة، لكنها عاجزةٌ جسديًّا. لا تستطيع أن تتحرّك، أو تتكلّم، أو تعترض على خططهم، أو تقاوم آلاتهم.

كان المهندسون قادرين على الحركة. ولم تكن الشجرة قادرة. ومع ذلك تحرّك المهندسون، وبقيت الشجرة.

لا أعرف لماذا أبقوا عليها.

ربما كانت قامتها الفارعة وأغصانها الممتدّة من الجمال بحيث دافع عنها جمالها.

وربما ألهم الله أولئك المهندسين ألّا يقطعوها، فحماها.

وربما أكسبتها جذورها وتاريخها حمايةً قانونية. لعلها شاخت حتى لم يعد قطعها مجرد إزالةٍ لشجرة، بل هدمًا لقطعةٍ من تراث المكان. فالشجرة العتيقة، بمعنى ما، سجلٌّ لخصب الأرض التي تحتها.

أو لعل المهندسين وأهل المكان أرادوا ببساطة أن يتأمّل جيلٌ آخر الشجرة ذاتها.

لن أعرف على الأرجح أبدًا.

ما يفتنني أن الشجرة لم تفعل شيئًا استثنائيًّا لتكتسب هذه القوة. لقد فعلت ببساطة ما يُفترض بالشجرة أن تفعله.

ضربت بجذورها عميقًا. نمت. صمدت للشتاءات والصيوف. فقدت أوراقها ثم أنبتتها من جديد. فصلًا بعد فصل، وعقدًا بعد عقد، بقيت.

لعل التغيّر والدوام ليسا نقيضين. فالشجرة تبقى تحديدًا لأنها تشارك في التغيّر. تفقد أوراقها، وتُنبتها مجددًا، وتشيخ، ومع ذلك تظلّ متجذّرةً في الأرض ذاتها.

وفي النهاية، صار وجودها عصيًّا على المحو.

أفكّر في المهندسين الذين وقفوا هناك ذات يوم يقرّرون ما يفعلونه بها. جاؤوا بالرسوم والآلات وبسلطة إعادة تشكيل الأرض. لعل بعضهم انتقل إلى مكانٍ آخر أو تقاعد. وربما غادر بعضهم هذا العالم كليًّا.

ومع ذلك لا تزال الشجرة قائمةً حيث وجدوها.

كانت لديهم القدرة على قطعها، ومع ذلك اكتسبت هي بطريقةٍ ما من القوة ما يكفي لتجعلهم يغيّرون خططهم.

تحرّك المهندسون، وبقيت الشجرة.

في هذا الضرب من القوة شيءٌ جميل، لأنها ليست صاخبةً ولا متطفّلة. لم تطالب الشجرة العالم قطّ بأن يُفسح لها. لقد فعلت ببساطة ما يُفترض بالشجرة أن تفعله، وفعلته زمنًا كافيًا.

ضربت بجذورها عميقًا. نمت نموًّا جميلًا. صبرت وثبتت.

في ذلك شيءٌ يشبه احترام الذات. لم تحاول قطّ أن تصير شيئًا غير ما هي عليه. وقفت حيث ضربت جذورها، وارتفعت ما استطاعت، وبسطت أغصانها إلى أبعد ما تبلغ. ولعل ذلك الاحترام الهادئ للذات منحها مع الزمن قوة.

ربما كان هذا ضربًا من القوة لا نفكّر فيه بما يكفي. لا القوة التي تفرض بها نفسك على كل ما حولك، بل القوة التي تنبع من أن تكون متجذّرًا بعمقٍ فيما أنت عليه زمنًا كافيًا حتى يبدأ وجودك ذاته في فرض الاحترام.

لم تطلب الشجرة من أحدٍ أن ينحني لأجلها.

لقد وقفت هناك ببساطة زمنًا كافيًا، متجذّرةً بعمقٍ كافٍ وجمالٍ كافٍ، حتى صار على كل من يمشي أمامها أن يُحني طريقه حولها.


بقلم · المؤسس ورئيس التحرير


أحمد صفاء

أحمد صفاء مؤسس «ذا ليفز ريفيو» ومهندس مشاريع ذو اهتمامٍ شخصي بالأدب والاستدامة والتنمية الحضرية والتخطيط. يحمل درجة الماجستير في الإدارة الهندسية للأعمال من جامعة باث، وشهادةً في استدامة الأعمال من جامعة كامبريدج، وشهادةً في الصحافة الحديثة من جامعة نيويورك.

كتابات جديدة والعدد الشهري

المزيد من المجلة

ذا ليفز ريفيو

مجلةٌ مستقلة للقراءة المتأنية والفضول والانتباه الدقيق إلى تفاصيل الحياة اليومية.

© 2026 ذا ليفز ريفيو. جميع الحقوق محفوظة.