الفن والثقافة
عبثية هوسنا بتشخيص ذواتنا
حين يتحوّل فهم الذات إلى هوسٍ بالتشخيص
أحمد صفاء
١٢ دقيقة قراءة
مسلسل قيد المراجعة
«إنها دائماً مشمسة في فيلادلفيا» (It’s Always Sunny in Philadelphia)، حلقة «العصابة تخضع للاختبار» (FXX)
مسلسل كوميدي من ابتكار روب ماكلهيني · عُرض أول مرة عام ٢٠٠٥

تصوير أحمد صفاء، عمل «المدينة العبثية» (Absurd City) لـ Wake the Tiger، لندن.
▶
استمع إلى هذه المقالة
بصوت أحمد صفاء · قراءة كاملة بصوت الكاتب · قيد الإعداد
عن مسلسل «إنها دائماً مشمسة في فيلادلفيا»، وإضفاء الطابع الطبي على الاختلافات الإنسانية، وتقبّل الذات، وهوسنا المتزايد بإصلاح أنفسنا.
ثمة شيء عبقري حقاً في الطريقة التي ينجح بها مسلسل «إنها دائماً مشمسة في فيلادلفيا» (It’s Always Sunny in Philadelphia) في إخفاء تأملات فلسفية عميقة خلف بعض أكثر المشاهد الكوميدية عبثية على شاشة التلفزيون.
في حلقة «العصابة تخضع للاختبار» (The Gang Gets Tested)، يتناول المسلسل ظاهرة أجدها مثيرة للاهتمام في مجتمعنا المعاصر: هوسنا المتزايد بتشخيص أنفسنا، وتصنيف شخصياتنا، والبحث عن تفسيرات لكل جانب تقريباً من جوانب السلوك البشري.
ما يجعل هذه الحلقة ذكية ليس رفضها للتشخيصات النفسية بحد ذاتها، بل سخريتها من الثقافة التي بدأت تتشكّل حولها. يبدو أننا أصبحنا أقل تقبّلاً لفكرة بسيطة، وهي أن البشر قد يختلفون بعضهم عن بعض، دون أن يكون في ذلك ما يستدعي القلق. فكل عادة غريبة، أو استجابة عاطفية غير مألوفة، أو صعوبة في التركيز، باتت تدفعنا إلى طرح السؤال نفسه: هل هناك شيء خاطئ بي؟
تستكشف الحلقة هذه الفكرة من خلال أربع شخصيات تخضع لتقييمات نفسية، ثم تتفاعل مع نتائجها بطرق مختلفة إلى حدّ لافت.
يكتشف دينيس ودي أنهما مصابان باضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD)، بينما يعرف ماك أن وظائفه العصبية تقع ضمن النطاق النمطي المعتاد، أو ما يُعرف بمصطلح «النمط العصبي المعتاد» (Neurotypical). أما تشارلي، فيقدّم إجابات غريبة إلى درجة يعجز معها المختصون عن تصنيفه. ويتصاعد ارتباكهم حتى تجتمع لجنة كاملة لمحاولة فهم طبيعة عقله غير المألوفة.
ومع ذلك، من بين الشخصيات الأربع، يبدو تشارلي الوحيد الذي يخرج من التجربة دون أن تهتز صورته عن نفسه.
ولعلّ هذه أذكى مفارقة ساخرة في الحلقة بأكملها.
الشخصية الوحيدة التي لا تحتاج إلى تفسير لوجودها
قضى ماك جزءاً كبيراً من حياته معتقداً أن هناك، لا بدّ، تفسيراً ما لما يراه قصوراً في قدراته الذهنية. وكان من المفترض أن يطمئنه اكتشاف أن وظائفه العصبية نمطية، لكنه يجد نفسه أمام أزمة جديدة.
إذا لم يكن هناك شيء غير مألوف في طبيعة عمل دماغه، فلماذا واجه كل تلك الصعوبات؟
يقرّر العودة إلى الدراسة، وكأن إثبات قدراته الأكاديمية قد يضع أخيراً حداً لشكوكه تجاه نفسه.
أما دينيس ودي، فيواجهان المشكلة المعاكسة.
يتلقّيان تشخيص اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط وكأنه إهانة لذكائهما. وبدلاً من التعامل مع النتيجة بوصفها معلومة قد تساعدهما على فهم كيفية عمل عقليهما، يصبحان مهووسين بإثبات خطئها.
يلتحقان بالجامعة لإثبات أن المختصين كانوا مخطئين، لكنهما سرعان ما يجدان نفسيهما أمام صعوبات في التركيز، والتشتّت، ومواكبة المتطلبات الأكاديمية. وفي محاولتهما إثبات أنهما لا يعانيان من اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط، يلجآن إلى تعاطي عقاقير تساعدهما على اجتياز الامتحانات.
يا لها من مفارقة ساخرة رائعة! يبلغ بهما الهوس برفض التشخيص حدّاً يجعلهما يتصرّفان بطرق تشبه المشكلات نفسها التي يحاولان نفي وجودها.
لكن تجربة تشارلي مختلفة تماماً.
بعد أن يقضي المختصون وقتاً طويلاً بصورة غير معقولة في محاولة تفسير إجاباته، يتزايد افتتانهم بالأنماط غير المألوفة في طريقة تفكيره.
غير أن تشارلي ينهض ببساطة ويمضي في طريقه.
وحين يلحقون به ويسألونه إن كان لا يريد معرفة تشخيصه، يبدو مستغرباً من السؤال نفسه. لماذا قد يحتاج إلى معرفته؟
فيجيب: «أنا تشارلي».
ولاحقاً، حين يسأله أصدقاؤه إن كان قد حصل على تشخيص، تأتي إجابته بالبساطة ذاتها: إنه ليس مريضاً، ولا يحتاج إلى مجموعة من الأساتذة ليخبروه من يكون، فهو يعرف نفسه، وهو شخص جيد.
وها نحن أمام ما قد يكون أجمل تصريح فلسفي غير متوقّع في الحلقة بأكملها.
تشارلي لا يقول ببساطة: لماذا ينبغي أن أهتم برأيكم فيّ؟
بل إن رده يحمل معنى أعمق بكثير:
يمكنكم أن تعتقدوا ما تشاؤون عني. استنتاجاتكم تخصّكم أنتم. أما أنا، فأعرف بالفعل من أكون. أنا تشارلي.
إن إحساسه بهويته قائم بذاته، ومستقل عن المؤسسة التي تحاول تقييمه.
يحاول علماء النفس فهم تشارلي من خلال التصنيفات والقياسات والتشخيصات، ومقارنته بما يُسمّى «العقل ذي النمط العصبي المعتاد». لكن تشارلي لا يرى نفسه سؤالاً معلّقاً ينتظر إجابة منهم.
بالنسبة إليه، الإجابة موجودة أصلاً.
إنه تشارلي.
وكونه تشارلي يكفي.
حين تتحوّل المعرفة إلى حكم على الهوية
ثمة تناقض استثنائي يختبئ في هذا المشهد.
فعلى امتداد معظم أحداث المسلسل، يُعامل تشارلي بوصفه أقل أفراد العصابة ذكاءً. تصرّفاته كثيراً ما تكون سخيفة، ومنطقه غالباً ما يكون عصيّاً على الفهم، وأصدقاؤه يسخرون باستمرار من قدراته العقلية.
ومع ذلك، حين يجد مجموعة من الأكاديميين أنفسهم مفتونين فجأة بأنماط تفكيره غير المألوفة، لا يبدأ تشارلي بالاعتقاد أنه عبقري استثنائي.
إنه يرفض الحكمين معاً.
فهو لا يحتاج إلى شهادة تثبت عبقريته، تماماً كما لا يحتاج إلى شهادة تصفه بالأحمق.
وهنا تكمن جاذبية موقفه.
لا يحتاج تشارلي إلى اعتراف الآخرين حتى يعرف من يكون. أما بقية الشخصيات، فتبدو معتمدة على ذلك الاعتراف اعتماداً شبه كامل.
يأمل ماك أن يجد في التشخيص تفسيراً لإخفاقاته، بينما يرى دينيس ودي في تشخيصهما تهديداً لذكائهما. يتعامل كل منهم مع التقييم وكأن المختصين على وشك الكشف عن حقيقة نهائية بشأن هويته.
وهكذا تتحوّل النتائج من معلومات يمكن الاستفادة منها إلى أحكام وجودية.
أما تشارلي، فلم يعتقد يوماً أنه فقد نفسه حتى يحتاج إلى من يعيد تعريفها له.
وهذه أذكى مفارقة في الحلقة: الشخصية التي تتميّز بأكثر أنماط التفكير غرابة هي الأقل تعقيداً في علاقتها بعقلها، بينما تنشغل الشخصيات التي تبدو نتائج تقييماتها أكثر وضوحاً بتلك النتائج إلى حدّ الهوس.
لا يحتاج تشارلي إلى مختص يمنحه هوية، ولا إلى جامعة تثبت ذكاءه، ولا إلى تشخيص يمنح غرابته شرعية.
فهو يمتلك بالفعل شيئاً يبحث عنه الآخرون بيأس: فهماً مستقراً نسبياً لهويته.
هل بدأنا نُضفي الطابع الطبي على تفرّد الإنسان؟
وهنا أصل إلى مسألة تشغلني منذ فترة بشأن علاقتنا المعاصرة بعلم النفس.
هناك فرق مهم بين فهم الحالات العصبية والنفسية الحقيقية، وبين نشوء ثقافة تُفسَّر فيها كل جوانب السلوك البشري تقريباً من خلال إطار تشخيصي.
فبعض الناس أكثر عاطفية بطبيعتهم من غيرهم. وبعضهم يفرط في التفكير في كل شيء تقريباً. وآخرون يجدون صعوبة في التركيز لفترات طويلة. وهناك من يتميّز بنشاط مفرط، أو ميل إلى الانطواء، أو الاندفاع، أو الحساسية الشديدة.
هذه الصفات موجودة بين البشر منذ الأزل.
في الماضي، كنّا نفهم كثيراً من هذه الاختلافات من خلال مفاهيم مثل الطبع، والشخصية، والتنشئة، والتجارب الفردية. وكنّا نشجَّع، وإن لم يكن ذلك دائماً بالطريقة المثلى، على التعرّف إلى ميولنا، وتقبّلها، وتعلّم كيفية التعامل معها.
أما اليوم، وخصوصاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فأصبحنا نُدفع بصورة متزايدة إلى تفسير الصفات نفسها باعتبارها أعراضاً محتملة لحالة ما.
وبالطبع، تتطلّب هذه المسألة قدراً من الدقة والحذر.
فاضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط حالة حقيقية تتعلّق بالنمو العصبي، وليس مجرد سمة شخصية. وقد يتسبّب في صعوبات كبيرة تتعلّق بالانتباه، والتنظيم، والتحكّم في الاندفاع، وأداء المهام اليومية. وبالنسبة إلى كثير من الأشخاص، يمكن أن يكون الحصول على التشخيص أمراً بالغ الفائدة، إذ يتيح لهم الوصول إلى العلاج والدعم العملي، وفهماً أفضل للصعوبات التي عاشوا معها لسنوات.
ومع ذلك، فإن البشر كائنات شديدة التنوّع، وليس كل اختلاف بينهم بحاجة إلى تفسير طبي.
ما يقلقني هو أن الانتشار المتزايد للغة التشخيص قد يشجّعنا على النظر إلى أنفسنا بعين الريبة.
فبدلاً من أن نسأل: من أنا؟ نبدأ بالسؤال: ما الخلل الذي أعاني منه؟
وهذه علاقة مختلفة جذرياً مع الذات.
جراحة تجميل نفسية
أجد أن لهذه الظاهرة شيئاً مشتركاً مع الثقافة المحيطة بعمليات التجميل ومعايير الجمال.
تأمّل الطريقة التي نتعلّم بها الحكم على مظهرنا الخارجي.
قد يكون الإنسان مرتاحاً تماماً لشكل أنفه أو شفتيه أو ملامح وجهه، إلى أن يتعرّض مراراً لإعلانات وصور ومقارنات اجتماعية توحي بأن هذه الملامح ليست بالمستوى المطلوب.
وهكذا تتحوّل سمة جسدية طبيعية تماماً، شيئاً فشيئاً، إلى عيب في نظر صاحبها.
وحين يحدث ذلك، تكون هناك صناعة كاملة مستعدّة لتقديم الحل.
والأمر المدهش أن هذا الشخص ربما لم يعتبر تلك السمة مشكلة في حياته قط، إلى أن جرى إقناعه بالنظر إليها بهذه الطريقة.
وأتساءل إن كان شيء مشابه قد بدأ يحدث على المستوى النفسي. هل أصبحنا نحاول «تحسين صحتنا النفسية إلى أقصى حد» على نحو يشبه الهوس بتحسين المظهر، فقط لكي نلائم قالباً محدّداً؟
فالشخص الذي اعتاد الخجل طوال حياته قد يبدأ فجأة بالنظر إلى انطوائه باعتباره حالة تستدعي التصحيح. ومن يتأثّر عاطفياً بسهولة قد يبدأ بالتعامل مع حساسيته بوصفها دليلاً على خلل نفسي. أما من يكثر شرود ذهنه، فقد ينطلق في رحلة بحث عن تفسير لصفة كانت دائماً جزءاً من طباعه.
الخطر لا يكمن في وجود المعرفة النفسية. فالمعرفة يمكن أن تكون محرِّرة، وفهم العقل البشري إنجاز علمي استثنائي.
الخطر يكمن في أن تصبح معرفة الذات أمراً لا يمكن تمييزه عن مراقبتها المستمرة.
فنبدأ بمراقبة أنفسنا لا بدافع الفضول، بل بدافع الشك.
كل استجابة عاطفية تصبح موضوعاً للتحقيق. وكل نقص يتحوّل إلى شيء ينبغي إصلاحه. وكل صعوبة تصبح سبباً جديداً للتساؤل عمّا إذا كنّا نؤدّي وظائفنا كما ينبغي.
لم نعد نقارن أنفسنا بالآخرين في المكانة الاجتماعية والمال والمظهر فحسب، بل أصبحنا نقارن مشاعرنا أيضاً. نحاكم أنفسنا لأننا لسنا بالسعادة التي يبدو عليها الآخرون، أو لأننا لا نشعر بالحزن بالقدر الذي نعتقد أنه ينبغي لنا أن نشعر به.
وتتحوّل الحياة إلى اختبار مستمر.
وحين نبدأ برؤية أنفسنا ككائنات معيبة، يكون السوق في غاية الاستعداد لبيعنا الحل: كتاب، أو دورة تدريبية، أو مكمّل غذائي، أو نظام لزيادة الإنتاجية، أو علاج نفسي يُسوَّق على أنه ضرورة للجميع، أو وعد جديد بأننا سنصبح أخيراً الأشخاص الذين يُفترض بنا أن نكونهم.
وبالطبع، لا يمكن مساواة العلاج الطبي المشروع بالتدخّلات التجميلية غير الضرورية، كما لا ينبغي أبداً النظر إلى طلب الدعم النفسي بوصفه علامة ضعف أو غرور.
لكن الآلية الثقافية الأوسع تستحق التأمّل.
فالنزعة الاستهلاكية لا تكتفي ببيع الحلول لنا؛ بل قد تكيّف طريقة فهمنا للتطوّر الشخصي، حتى نبدأ بالاعتقاد أنه شيء لا بدّ من شرائه باستمرار.
نصبح منتجات غير مكتملة، نبحث بلا نهاية عن تحديثات وتحسينات، في مظهرنا الخارجي وفي عالمنا الداخلي على حد سواء.
ولعلّ النتيجة الأكثر إثارة للقلق هي أننا نتوقّف عن رؤية اختلافاتنا بوصفها جزءاً من إنسانيتنا.
نبدأ بالتعامل مع أنفسنا باعتبارنا مشكلات تحتاج إلى حلول، وكأننا نجري عمليات تجميل نفسية لشخصياتنا، نستأصل منها كل ما لا يتوافق مع معيار متخيَّل للطبيعية.
تقبّل الذات ليس تهرّباً من المسؤولية
هناك تمييز آخر مهم، أعتقد أنه كثيراً ما يُساء فهمه.
حين أقول إننا كما نحن، وإن ذلك أمر مقبول تماماً، فأنا لا أعني أن علينا البقاء دون تغيير، أو استخدام شخصياتنا ذريعة لتبرير السلوك المؤذي.
بل على العكس تماماً.
إن إدراكنا لحقيقة أنفسنا ينبغي أن يجعلنا أكثر تحمّلاً للمسؤولية عن تصرّفاتنا، لا أقل.
لنأخذ مثالاً شخصاً يجد صعوبة في السيطرة على غضبه.
تقبّله لذاته لا يعني أن يعلن أن الغضب جزء من شخصيته، وأن على الجميع بالتالي تحمّل نوبات غضبه.
بل يعني أن يعترف بحقيقة تتعلّق بنفسه:
أنا شخص سريع الغضب. أعرف هذا عن نفسي، ولأنني أعرفه، تقع على عاتقي مسؤولية فهم ردود أفعالي وتعلّم كيفية التحكّم بها.
وهكذا يصبح تقبّل الذات أساساً لتحمّل المسؤولية.
ليس عليه أن يكره نفسه لأنه سريع الغضب، لكنه في الوقت نفسه لا يحق له استخدام هذه الصفة لتبرير إيذاء الآخرين.
وينطبق الأمر ذاته على الشخص شديد العاطفة، أو سريع التشتّت، أو المفرط في التفكير، أو المندفع بطبعه.
إن التعرّف إلى هذه الخصائص يساعدنا على فهم كيفية التعايش معها، والأهم من ذلك، كيفية التعامل مع آثارها علينا وعلى الأشخاص المحيطين بنا.
ما يقلقني هو أن اللغة التشخيصية، حين يُساء فهمها أو تُستخدم بلا تدقيق، قد تشجّع أحياناً على إقامة علاقة مختلفة مع مفهوم المسؤولية.
فبدلاً من أن يقول شخص ما: أواجه صعوبة في التركيز، ولذلك عليّ أن أبتكر أساليب تساعدني على التعامل مع طريقة عمل عقلي، قد يصل إلى استنتاج من قبيل: أنا مصاب باضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط، ولذلك لا أستطيع فعل شيء حيال الأمر.
العبارة الأولى تعترف بالصعوبة، لكنها تحافظ على قدرة الفرد على الفعل واتخاذ القرار.
أما الثانية، فتخاطر بتحويل التفسير إلى عذر.
لكن علينا أن نحذر بالقدر نفسه من الوقوع في الخطأ المعاكس.
فاضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط وغيره من الحالات العصبية ليست مجرد إخفاقات في الانضباط الذاتي. بعض الصعوبات لا يمكن تجاوزها بقوة الإرادة وحدها، والاعتراف بوجود حالة حقيقية لا يجعل الإنسان تلقائياً أقل تحمّلاً للمسؤولية.
بل قد يساعد التشخيص الفرد على تحمّل مسؤولية أكبر تجاه نفسه، من خلال اكتشاف استراتيجيات وتسهيلات وعلاجات تناسب احتياجاته بالفعل.
كذلك، لا ينبغي تفسير الإعاقة، كالعمى مثلاً، بوصفها إخفاقاً في تحمّل المسؤولية الشخصية. فالناس يختلفون في ما يستطيعون التحكّم به فعلياً، وتحمّل المسؤولية لا يعني التظاهر بأن كل قيد يمكن تجاوزه بمجرد بذل المزيد من الجهد.
التمييز الذي يهمني هنا هو الفرق بين التفسير والهوية.
يمكن للتشخيص أن يفسّر سبب مواجهة شخص ما لصعوبات معيّنة. ويمكن أن يوفّر إطاراً لفهمها، بل وأن يقدّم وسائل تجعل حياته أسهل بكثير.
لكنه لا ينبغي أن يتحوّل تلقائياً إلى التعريف الكامل لهوية ذلك الشخص، ولا أن يعفيه من المسؤولية عن السلوكيات التي يمتلك القدرة على إدارتها.
وهنا تظهر مفارقة فلسفية مثيرة للاهتمام.
إن تقبّل اختلافاتنا قد يجعلنا أكثر استعداداً للعمل على تطوير أنفسنا، لأننا لم نعد مضطرين إلى اعتبار كل نقص فينا هجوماً على هويتنا.
إذا كنت أعرف من أنا، فإن إدراكي لوجود جانب أواجه فيه صعوبة لا يهدّد وجودي بأكمله.
يمكنني الاعتراف بنقطة ضعف دون أن أعتقد أنني كائن معيب في جوهري.
يمكنني طلب المساعدة دون التخلّي عن هويتي.
يمكنني أن أتغيّر دون أن أضطر أولاً إلى كراهية نفسي.
فتقبّل الذات ليس رفضاً لتطويرها، بل هو رفض لفكرة أن كراهية الذات شرط لا بدّ منه قبل الشروع في تطويرها.
اعتمادنا المتزايد على أحكام الآخرين
قد تكون الحلقة في نهاية المطاف تسخر من ظاهرة أوسع من ثقافة التشخيص: اعتمادنا المتزايد على السلطات الخارجية لتخبرنا من نكون.
تتحوّل التقييمات النفسية لأفراد العصابة إلى مرايا يبحثون فيها بيأس عن هوياتهم.
يريد ماك تأكيداً أن لإخفاقاته تفسيراً. ويريد دينيس ودي طمأنة بأنهما يتمتّعان بالذكاء والكفاءة اللذين يعتقدان أنهما يمتلكانهما.
لا يستطيع أيّ منهم تلقّي معلومة عن نفسه دون تحويلها إلى أزمة هوية.
وأجد أن هذه الظاهرة أصبحت أكثر حضوراً في ثقافتنا المعاصرة.
نحن محاطون باختبارات الشخصية، والتصنيفات النفسية، وتقييمات الذكاء، ومقاييس الإنتاجية، وأشكال لا تنتهي من التقييم الذاتي.
نصنّف أنفسنا إلى انطوائيين ومنفتحين، وأصحاب نمط عصبي معتاد وآخرين ذوي أنماط عصبية مختلفة، وأشخاص يتمتّعون بتعلّق عاطفي آمن أو قَلِق، وأفراد يمتلكون ذكاءً عاطفياً أو يفتقرون إلى القدرة على التواصل العاطفي.
بعض هذه المفاهيم مفيد بالفعل. فهي تمنحنا لغة نستطيع من خلالها التعبير عن تجارب كانت تبدو في السابق مربكة أو يصعب فهمها.
لكن هناك فرقاً بين استخدام تصنيف ما لفهم نفسك، والسماح لذلك التصنيف بأن يحلّ محل فهمك لنفسك.
فالصفة التي كان يُفترض أن تساعدنا على فهم ذواتنا قد تتحوّل إلى قالب نشعر بأننا ملزمون بالعيش وفقاً له.
نبدأ بالتساؤل عمّا إذا كانت سلوكياتنا تتوافق مع تشخيصاتنا، وشخصياتنا مع تصنيفاتنا، وتجاربنا مع التعريفات التي تبنّيناها.
وبدلاً من أن تسمح لنا المعرفة بتوسيع فهمنا لتعقيد الإنسان، نستخدمها أحياناً لاختزال هذا التعقيد.
وهذا يبدو لي أمراً مأساوياً إلى حدّ ما، لأن الإنسان أكثر تعقيداً بكثير من أن تختزله مجموعة من التصنيفات النفسية.
فنحن نتشكّل من ذكرياتنا، وعلاقاتنا، وتجاربنا، وقيمنا، وبيئاتنا، وتناقضاتنا، والقرارات الصغيرة التي لا تُحصى والتي نبني من خلالها حياتنا.
هوياتنا ليست ثابتة، وبالتأكيد لا يمكن اختزالها في نتائج تقييم واحد.
قد يخبرنا التشخيص بشيء مهم عن كيفية عمل عقولنا، لكنه لا يستطيع أن يخبرنا بكل ما يعنيه أن نكون أنفسنا.
أنا تشارلي
ولهذا أجد نفسي أعود مراراً إلى إجابة تشارلي.
فهو لا يعلن أنه كامل.
ولا يدّعي أنه ذكي أو طبيعي أو يتمتّع بكفاءة استثنائية.
ولا يتظاهر بأنه لا يواجه أي صعوبات، ولا يقدّم دفاعاً فلسفياً معقّداً عن سلوكه.
إنه ببساطة يعرف من يكون.
أنا تشارلي.
ثمة شيء محرِّر على نحو غير متوقّع في هذه البساطة.
قد يكون المختصون قد اكتشفوا أمراً غير مألوف في قدراته الإدراكية. وقد يمتلكون أدوات متطوّرة، ومؤهلات أكاديمية، ومعرفة واسعة بالعقل البشري. بل وقد تكون نتائجهم مفيدة بالفعل.
لكن تشارلي لا يخلط بين وصفهم له وبين هويته.
بوسعهم دراسة تشارلي، وتصنيفه، ومحاولة تفسيره.
لكن أياً من تلك المحاولات لا يستطيع أن يحيط بكل ما يعنيه أن يكون تشارلي.
وربما تكمن هنا السخرية الحقيقية في الحلقة.
فنحن نعيش في عصر تتوافر فيه لغة علم النفس، ونصائح تطوير الذات، والمعرفة العلمية بكيفية عمل العقل البشري، على نطاق لم يسبق له مثيل.
لدينا اليوم وسائل أكثر من أي وقت مضى لفهم سلوكنا.
ومع ذلك، فإن ازدياد المعرفة لا يؤدّي تلقائياً إلى مزيد من تقبّل الذات.
بل قد يؤدّي، على نحو متناقض، إلى النتيجة المعاكسة.
نصبح منشغلين إلى درجة كبيرة بمحاولة اكتشاف كل ما قد يكون خاطئاً فينا، حتى ننسى تقدير ما هو موجود بالفعل.
وعلينا أن نسأل أنفسنا: هل تنبع رغبتنا المستمرة في التحسّن دائماً من فضول حقيقي ورغبة صادقة في النمو؟ أم أننا اقتنعنا تدريجياً بأن مجرّد كوننا أنفسنا ليس أمراً كافياً؟
أنا لا أعارض علم النفس، ولا الطب، ولا أهمية فهم الاختلافات العصبية الحقيقية. ولا أقول إن علينا تقبّل كل جانب من جوانب سلوكنا دون مراجعة أو تفكير.
كل ما أحاول قوله هو أن هناك فرقاً ينبغي الحفاظ عليه بين فهم أنفسنا والحكم عليها بأنها معيبة.
ينبغي أن نكون قادرين على الاعتراف بحدود قدراتنا دون التخلّي عن قدرتنا على الاختيار والفعل، وأن نطلب العلاج دون أن نخجل من عقولنا، وأن نعمل على تطوير أنفسنا دون أن نقتنع أولاً بأن اختلافاتنا عيوب.
ينبغي أن نستطيع تقبّل من نكون، مع الاستمرار في تحمّل المسؤولية عمّن نصبح عليه.
ولعلّ أعظم مفارقة في مسلسل «إنها دائماً مشمسة في فيلادلفيا» هي أن الشخصية التي أمضى الجميع سنوات في وصفها بالأحمق، تبدو، في هذه اللحظة على الأقل، وكأنها الوحيدة التي أدركت شيئاً بالغ الأهمية عن معنى أن نكون بشراً.
فبينما يبحث الآخرون بقلق عن تفسير لهوياتهم، يمتلك تشارلي إجابته بالفعل.
إنه تشارلي.
وربما يكون ذلك كافياً.

بقلم · المؤسس ورئيس التحرير
أحمد صفاء
أحمد صفاء مؤسس «ذا ليفز ريفيو» ومهندس مشاريع ذو اهتمامٍ شخصي بالأدب والاستدامة والتنمية الحضرية والتخطيط. يحمل درجة الماجستير في الإدارة الهندسية للأعمال من جامعة باث، وشهادةً في استدامة الأعمال من جامعة كامبريدج، وشهادةً في الصحافة الحديثة من جامعة نيويورك.
كتابات جديدة والعدد الشهري


