الفن والثقافة
«جوكر 2»: مأساةٌ كافكاوية حديثة أسأنا جميعًا فهمها
عن آرثر فليك، وعن «المسخ» لكافكا معكوسًا، وكيف صار الجمهور دون أن يدري جزءًا من العرض.
أحمد صفاء
٤ دقائق قراءة
فيلمٌ قيد المراجعة
تود فيليبس (إخراج)، «جوكر: جنون مشترك»، كتابة سكوت سيلفر وتود فيليبس (Warner Bros. Pictures، ١٣٨ دقيقة)
بطولة خواكين فينيكس وليدي غاغا · عُرض أول مرة في الدورة الحادية والثمانين لمهرجان البندقية السينمائي الدولي (٢٠٢٤)

غوستاف دوريه، «عائلة البهلوانات الجوّالين: الطفل الجريح» (١٨٧٤). زيتٌ على قماش، ١٩٥ × ١٣٠ سم. متحف روجيه كيّو للفنون، كليرمون فيران.
▶
استمع إلى هذه المقالة
بصوت أحمد صفاء · قراءة كاملة بصوت الكاتب · قيد الإعداد
إن الهجوم الذي تلقّاه «جوكر 2»، وسرعة أفوله من دائرة الاهتمام الثقافي، مفارقةٌ حتى النخاع. فقد تصرّف الجمهور في الواقع تمامًا كما تصرّف الجمهور داخل الفيلم. وعلى نحوٍ غريبٍ لاواعٍ، صاروا امتدادًا للفيلم ذاته. لم يشاهدوا الحكاية فحسب؛ بل شاركوا فيها دون أن يدروا.
يبدأ الفيلم وآرثر في مصحّة عقلية. مُثقَلٌ بالأدوية، خاضع، يذوي في صمت. ثم يلتقي هارلي، المرأة الذكية المتلاعبة التي تتظاهر بأنها نزيلةٌ مثله، وتستعمل خلفيتها في الطب النفسي لتحوّل المودّة والحب إلى سلاح. تخترق دفاعات آرثر بالعزف على أعمق جراحه: حاجته اليائسة غير الملبّاة إلى من يرعاه.
لكن هارلي لا تحبّ آرثر. إنها تحبّ الجوكر، القناع المسرحي الذي يرتديه، والشخصية التي تُسلّي وتصدم وترقص. وكالعالم خارج الشاشة تمامًا، تقع في غرام العرض لا الإنسان. والجمهور، داخل الفيلم وفي الحياة الواقعية، يعكس هذا على نحوٍ تام. يحبّون الفوضى والبريق والوهم، لكن لا يحبّون الرجل القابع تحت ذلك كله. وقد قالها آرثر أبلغ ما تُقال: «لا أحد يهتمّ بي». والفيلم يُثبت ذلك.
إنها حكايةٌ عن الطريقة التي يعامل بها المجتمع المرضى النفسيين: بافتتانٍ ما داموا يؤدّون العرض. آرثر فقرةٌ حديثة في سيرك، محبوبٌ حين يدور، ومُهمَلٌ حين يسكن. ويتجلّى هذا تجلّيًا جميلًا في لحظةٍ صغيرةٍ لكنها بليغة، حين يُبدي آرثر لطفًا نحو الرجل القصير القامة أثناء المحاكمة، مدركًا أن كليهما يُعامَل بوصفه فُرجةً هامشية. فالاحترام نادرٌ، حتى بين المنبوذين.
والأشدّ مأساويةً أن آرثر لا يُعالَج حقًّا قطّ. لا أحد يبذل جهدًا حقيقيًّا لفهمه. فالمعالجون باردون، مستخفّون، لا يعنيهم عالمه الداخلي في شيء. وأدويته تخدّره حتى الصمت؛ لا تشفيه، بل تمحوه.
ولا يبدأ في إظهار علاماتٍ على انفعالٍ حقيقيٍّ وذاكرةٍ حيّة إلا أثناء محاكمته، حين يكون قد انقطع عن أدويته: يشرد، ويرسم ليهرب من صدمته، ويتفاعل فيما تتصارع شظايا نفسه لتطفو على السطح. ومن المفارقة أن شفاءه يبدأ حين يُسمح له أخيرًا بأن يشعر، وإن كان ذلك موجعًا.
كل هذا صدى لـ«المسخ» لكافكا، لكن معكوسًا: ففي هذه النسخة لا يُحَبّ آرثر إلا حين يكون الحشرة، حين يكون الجوكر. وحين يعود آرثر، لا يكترث أحد.
ويبلغ الفيلم ذروةً عاطفيةً لا تُحتمل حين ينكّل به الحرّاس بوحشية، بل ربما يعتدون عليه جنسيًّا كما يُلمَّح بقوة، فيضربونه حتى يُخرجوا الجوكر منه. إنهم لا يساعدونه؛ بل يجرّدونه من الهوية الوحيدة التي منحته قوة. يفقد هارلي، ويفقد نفسه. لم يعد حتى فُرجة، بل مجرد رجلٍ محطّم، منبوذ.
ومع ذلك رفض كثيرٌ من المشاهدين الفيلم جملةً. لماذا؟ لأن فيه غناء. لأنه بدا مسرحيًّا. افترضوا أنه مجرد فيلمٍ آخر يلهث وراء الموضة ويحاول أن يكون رائجًا. لكن «جوكر 2» نقيض ذلك تمامًا. ليس عملًا مُروَّضًا على طريقة ديزني؛ بل هبوطٌ نفسيٌّ خامٌ بشع. لم يكن المقصود من المقاطع الغنائية أن تُسلّي؛ بل أن تُقلق. لقد أظهرت كم صار عقل آرثر متصدّعًا، وكم كان تائهًا في الخيال.
ولسوء الحظ، فقد النقّاد الذين كان يمكن أن يدافعوا عن هذا الفيلم ثقةَ الجمهور، إذ يُرى كثيرٌ منهم مرتهنين لسياسات الصناعة والآراء المأمونة. وفي الوقت ذاته صار المجتمع أكثر عداءً للفكر، وأكثر هوسًا بالاستعراض والاستهلاك. ولا حظّ لفنٍّ حقيقيٍّ متحدٍّ مثل «جوكر 2» في عالمٍ يطلب جرعات الدوبامين بدل الانزعاج.
وهكذا، تمامًا مثل آرثر نفسه، أُسيء فهم الفيلم، وهُوِّل، ثم هُجر في النهاية. صار الجمهور جزءًا من الحكاية دون أن يدرك، فعامل آرثر تمامًا كما عامله الجمهور داخل الفيلم.
ومن المؤسف حقًّا أن هذه الحكاية لم تكن روايةً متحرّرةً من وسم «الجوكر». فلو جُرّدت من توقّعات القصص المصوّرة، لأمكن أن تقف بذاتها صورةً مؤرّقة لرجلٍ مريضٍ نفسيًّا: طيّب القلب، حطّمه الإهمال، ووقع ضحيةً للأنظمة ذاتها التي وُجدت لتساعده.
لكن لعل تلك كانت غاية الفيلم الأخيرة.
نحن، الجمهور، فرضنا على آرثر دورًا لم يختره هو تمامًا قطّ. وفي اللحظة التي كفّ فيها عن أداء ذلك الدور، نبذناه.
ولولا ثقل وسم «دي سي» والتوقّعات المعلّقة به، لربما عُرف «جوكر 2» على حقيقته:
مأساةٌ أدبيةٌ كافكاويةٌ حديثة.

بقلم · المؤسس ورئيس التحرير
أحمد صفاء
أحمد صفاء مؤسس «ذا ليفز ريفيو» ومهندس مشاريع ذو اهتمامٍ شخصي بالأدب والاستدامة والتنمية الحضرية والتخطيط. يحمل درجة الماجستير في الإدارة الهندسية للأعمال من جامعة باث، وشهادةً في استدامة الأعمال من جامعة كامبريدج، وشهادةً في الصحافة الحديثة من جامعة نيويورك.
كتابات جديدة والعدد الشهري


