الشعر
قصيدة شهر نوفمبر: «في موسم الورد»
«في موسم الورد» لعمر أبو ريشة (١٩٤٦)
أحمد صفاء
٤ دقائق قراءة
قصيدة الشهر
عمر أبو ريشة، «في موسم الورد»، نُظمت على بحر الخفيف في الشعر العربي الكلاسيكي (اثنا عشر بيتًا)
كُتبت في حلب (١٩٤٦) · تقديم أحمد صفاء

عمر أبو ريشة، «في موسم الورد» (١٩٤٦)، من الديوان المطبوع. تصوير أحمد صفاء.
▶
استمع إلى هذه المقالة
بصوت أحمد صفاء · قراءة كاملة بصوت الكاتب · قيد الإعداد
في كل شهر، تتأمّل «ذا ليفز ريفيو» قصيدةً عن قرب، مستكشفةً لغتها وصورها والمشاعر التي تخلّفها وراءها.
واختيارنا لشهر نوفمبر قصيدة عمر أبو ريشة «في موسم الورد»، وهي قصيدةٌ تبدأ بلقاءٍ غير متوقّع بين الورود وتنتهي بوحشة التذكّر. وفي انتقالها من الحنان إلى الخيبة، تستكشف كيف قد يعمّر لقاءٌ عابرٌ في الذاكرة أطول من العلاقة نفسها، وكيف قد تصير الأمكنة التي عرفنا فيها السعادة تذكاراتٍ موجعة لغياب أحدهم، كما قد يمرّ بنا عطرٌ شاردٌ دون استئذان، فيحملنا إلى مكانٍ آخر وزمنٍ آخر.
القصيدة

«كأنّي بالمرأة تحبّ من أذنها لا من عينها…»
هُنا! في موسمِ الوردِ ✦ تلاقينا بلا وعدِ
وسرنا في جلالِ الصمتِ ✦ فوقَ مناكبِ الخلدِ
وفي ألحاظنا جوعٌ ✦ على الحرمانِ يستجدي!
وأهوى جيدُكِ الريّانُ ✦ متّكئاً على زندي
وشَعرُكِ مائجٌ، والطيبُ ✦ يفضحُ فجوةَ النهدِ
كأنّا غفوةٌ خرساءُ ✦ بينَ الخدِّ والخدِّ!
* * *
مُنى قلبي، أرى قلبَكِ ✦ لا يبقى على عهدِ
أُسائلُ عنكِ أحلامي ✦ وأُسكتُها عن الردِّ
أردتِ، فنلتِ، ما أمّلتِ ✦ من عزّي ومن مجدي
فأنتِ اليومَ ألحاني ✦ وألحانُ الدُّنا بعدي!
فما أقصرهُ حبّاً ✦ تلاشى وهو في المهدِ!
فهذا الوردُ ما ينفكُّ ✦ فوقَ غصونهِ المُلْدِ
ولم أبرحْ، هُنا، في ظلِّ ✦ هذا الملتقى، وحدي!
عمر أبو ريشة (١٩٤٦)
قراءةٌ وتعليق
تنتقل القصيدة من الخلود الظاهري للقاءٍ عاطفي إلى وحشة تذكّره بعد انتهاء العلاقة. ويكمن توتّرها المركزي في أن اللحظة قد تبدو أبديةً وهي تحدث، ثم يتبيّن أنها قصيرةٌ على نحوٍ موجع.
يرسي المطلع لقاءً غير متوقّع:
هُنا في موسمِ الوردِ ✦ تلاقينا بلا وعدِ
تمنح الورود اللقاءَ جوًّا من النضارة والجمال والإمكان. و«بلا وعد» تعني أولًا أنهما لم يتواعدا على اللقاء. لكنها إذا قُرئت إلى جانب الاتهام اللاحق بأن قلبها لا يبقى على عهد، اكتسبت صدًى ثانيًا محتملًا: فحبّهما يبدأ بلا موعد، وينتهي بلا عهدٍ يدوم.
ثم يصفهما وهما يسيران:
وسرنا في جلالِ الصمتِ ✦ فوقَ مناكبِ الخلدِ
للصمت هنا «جلال»، أي مهابةٌ وقور. فهما لا يحتاجان إلى الكلام لأن حضورهما الجسدي يبدو كافيًا. و«فوق مناكب الخلد» ترفع نزهةً عادية إلى ما يتجاوز الزمن العابر. هكذا يبدو اللقاء للمتكلّم؛ وستكشف الخاتمة المسافة بين ذلك الشعور وما يبقى حقًّا.
ثم يغدو المقطع الأول حسّيًّا على نحوٍ واضح. فالعيون تكشف جوعًا عاطفيًّا وجسديًّا، والجِيد يتّكئ على زنده، والشَّعر والطِّيب يُدنيان المحبوبة إلى حضورٍ جسديٍّ قريب. وحين يصفهما بأنهما غفوةٌ خرساء بين الخدّ والخدّ، يكون الأثر أثرَ إدراكٍ معلّق: ففي لحظةٍ يبدو العالم الخارجي وكأنه يتلاشى. والحميمية تُنقل عبر اللمس والعطر والسكون.
ويكسر المقطع الثاني ذلك الجوّ. فهو يخاطبها بأنها مُنى قلبه، لكنه يتّهم قلبها بأنه لا يبقى على عهد. ومحاولته أن يسائل أحلامه عنها، ثم إسكاتها عن الردّ، توحي بأنه يريد تفسيرًا، وفي الوقت ذاته يخشى ما قد يعنيه الاعتراف به. فالذكرى التي منحته السعادة ذات يوم تُرغمه الآن على مواجهة فقدها.
وتغدو لغته أيضًا جريحةً معاتِبة. فهو يقدّم نفسه بوصفه من أعطاها ما أرادت من عزّه ومجده. وينبغي أن نميّز اتهامه من روايةٍ موضوعية للعلاقة: فالقصيدة تمنحنا جرحه، لكنها لا تمنحنا صوتها ولا تُثبت دوافعها.
ويأتي أحدّ الانقلابات هنا:
فما أقصرهُ حبّاً ✦ تلاشى وهو في المهدِ!
كان العاشقان قبلًا يبدوان سائرَين فوق الخلود. والآن لم يكد حبّهما يتجاوز طفولته. والمهد يجعل تلاشيه يبدو سابقًا لأوانه: فهو يرثي الحميمية التي تقاسماها، والمستقبل الذي لم ينمُ قطّ.
وتعود الخاتمة إلى الورود وإلى مكان اللقاء الأول. فالورد لا ينفكّ يتفتّح، بينما يبقى هو وحيدًا تحت أغصانه. وتجدّد الطبيعة لا يستطيع أن يعيد العلاقة.
وفي الانتقال من «تلاقينا» إلى «وحدي» تنطوي الرحلة العاطفية كلها. فالمكان باقٍ، والموسم يعود، والزهور تدوم. أما ما اختفى فهو الحضور المشترك الذي جعلها كلها تبدو ذات يومٍ أبدية.
اختيرت بإشارةٍ من صديقةٍ عزيزة، دالين.

بقلم · المؤسس ورئيس التحرير
أحمد صفاء
أحمد صفاء مؤسس «ذا ليفز ريفيو» ومهندس مشاريع ذو اهتمامٍ شخصي بالأدب والاستدامة والتنمية الحضرية والتخطيط. يحمل درجة الماجستير في الإدارة الهندسية للأعمال من جامعة باث، وشهادةً في استدامة الأعمال من جامعة كامبريدج، وشهادةً في الصحافة الحديثة من جامعة نيويورك.
كتابات جديدة والعدد الشهري


